واصف جوهرية

101

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

الوالدة والأخرس كانت الوالدة رحمها اللّه أمية وقلبها بسيط جدا وكانت على منتهى الإخلاص والوفاء تجاه زوجها وأولادها وجيرانها بل لكل من عرف أم خليل . وكانت لها حوادث طريفة ومواقف لطيفة نسبة إلى دهاء الجوهرية آنذاك . وإني أذكر للقاري هذا الحادث الظريف يعطي القاري فكرة عن المرحومة الوالدة : بصفة والدي كان موظفا ومحاميا في زمن تركيا فكان يرسل رجلا أخرس من فلاحين قرية بيتونيا « 1 » إلى الدار ليوصل حاجات البيت ويخدم والدتي أحيانا . يحمل تنكات الماء من الطابق السفلي للطابق الثالث وكانت توده وتعطف عليه وكان هذا مشهورا لدى موظفي الحكومة في القدس فالكل يخدمه ليوصل حاجات بيوتهم ومعروفا بالأخرس البيتوني . ففي ذات يوم عندما كان والدي راجع من عمله للغذاء فتح أخي توفيق الشباك المطل على الشارع وإذ بأخرس ( ومعه شخصا من عائلة حدوثه ) مصاب بجرح في رأسه ويصيح متألما ويشير بيده إلى الشباك ولا خفاك صوت الأخرس الذي أقام حي السعدية وأقعدها حتى اجتمع حوله جمع غفير في الشارع وكانت الشرفات كلها ملآنة من الجيران اللذين وقفوا يتفرجون ويتجمعوا على صوته المزعج ، وقد إعتقد بأن حجرا أصابه من الشباك الذي كان فيه أخي توفيق وكان هذا الشخص الأخرس هو السيد عبد اللّه الأخرس الحسيني ومن عائلة سماحة المفتي بالقدس ووالد الدكتور موسى الحسيني ولا تسأل عن الشتائم التي صبت على توفيق وعلى عائلته مع أن أخي توفيق كان برئيا من هذه التهمة حقا . وعندها طل والدي من الشباك وعرض على الجمهور خطأ ظنهم إلى أن اقتنع كل من المجتمعين بعد ما فهموا أن الساكن هو صديقهم الجوهرية وقد أسعف والدي المجروح . قدر الإمكان فراق الجو في الشارع . وفي هذا الظرف والموقف الحرج عندما كنت أنا بدوري أتفرج من الشباك الصغير الذي كان في المطبخ والذي يطل أيضا على هذه المعركة والجمهور في الشارع ، جاءت الوالدة من خلفي وقالت ( ولك شيل من هون ) فأطعت أمرها فطلت رأسها من هذا الشباك وكان السكون مخيما عن من في الشارع وقالت بأعلى صوتها : ولكن كيف بيهون علينا نضربه وهو من خدامنا لإعتقادها بأن الأخرس هو ذلك الفلاح البيتوني الذي يجيئها ويخدمها أحيانا جن جنون والدي وأسرع وجذبها من الخلف وقال لها " ولك هذا أخو المفتي شو خدامك ، اللّه يسود وجهك يالبعيدة " ولكن هل تعلم ماذا كان جوابها رحمها اللّه ؟ . كان جوابها " يوه ! ! كيف بيكون أخو المفتي ، وأخرس ؟ . مش ممكن . وأصبحت هذه القصة الطريفة موضع بحث في مجالس الجوهرية لأصدقائه وخصوصا أسرة الحسيني الكريمة . فكانوا يضحكون ويثنون على طيبة قلب الوالدة أم خليل .

--> ( 1 ) بيتونيا في غربي رام الله .